بعد مرور 50 عاماً ويوم واحد على حرب أكتوبر 1973، عادت أنماط الإخفاق نفسها لتظهر في إسرائيل قبيل هجوم 7 أكتوبر 2023، وفق تحليل الدكتور مايكل ميلشتاين، الباحث في مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا بجامعة تل أبيب، والذي يعمل حالياً على دراسة جذور التصور الاستراتيجي الذي سبق هجوم 7 أكتوبر.


وينشر موقع يديعوت أحرونوت تحليلاً لميلشتاين بعنوان «بعد 50 عاماً ويوم واحد: كيف كررت إسرائيل إخفاقات 1973 في 7 أكتوبر»، يستعرض فيه أوجه التشابه بين المفاجأة التي تعرضت لها إسرائيل في حرب أكتوبر 1973 والهجوم الذي شنته حركة حماس في 7 أكتوبر 2023. ويشير التحليل إلى أن إسرائيل أمضت عقوداً في دراسة مفاجأة حرب 73 لكن أنماطاً مشابهة عادت إلى الظهور، من بينها التفكير الجماعي، والاستخفاف بالعدو، والثقة المفرطة في التكنولوجيا على حساب فهم ثقافته ومجتمعه.

 


صدمة 1973 تتكرر في 7 أكتوبر


«ما حدث هو حصيلة مؤلمة لمسار طويل ومعقد طال مختلف جوانب حياتنا. ومشكلتنا الحقيقية، مهما كان الاعتراف بها مؤلماً، هي أننا بحاجة إلى مراجعة أنفسنا بعمق. لقد شاركنا جميعاً في صناعة هذا المسار، ولا أحد يستطيع أن يقول إنه بلا مسؤولية، وأنا لا أستثني نفسي. أسهم كل منا فيه من موقعه. وإذا سارع الجميع الآن إلى تحميل الاستخبارات المسؤولية وتحويلها إلى كبش فداء، فلن يكون ذلك سوى معالجة سطحية وخاطئة. قد تمتلك الاستخبارات أحدث المعلومات وأكثرها دقة، لكن إذا أخطأنا في تفسير دلالاتها، فلن تكون لهذه المعلومات قيمة تُذكر».


قد تبدو هذه الكلمات وكأنها قيلت عقب 7 أكتوبر 2023، لكنها في الحقيقة صدرت عن رئيس الموساد الأسبق مئير عميت بعد فترة وجيزة من حرب أكتوبر.


وتكشف هذه الكلمات عن تشابه مقلق بين ما شكل الصدمة الوطنية الأبرز في إسرائيل على مدار نصف قرن، وبين الكارثة التي حلت محلها لاحقاً. ولا يقتصر التشابه على عنصر المفاجأة والضربة الافتتاحية المدمرة، إذ امتد الإخفاق في الحالتين إلى ما هو أبعد من الاستخبارات ليشمل صناع القرار، وعكس افتراضات ترسخت على نطاق أوسع داخل المجتمع الإسرائيلي.


وتزداد وطأة هذا التكرار لأن صدمة عام 1973 لم تختفِ من الذاكرة الإسرائيلية. بل تحولت إلى تحذير مؤسس، ولا سيما داخل المجتمع الاستخباراتي، وشكلت العقيدة والمهارات المهنية وأجيالاً من التعليمات التي تحدد ما ينبغي للمحللين فعله وما ينبغي لهم تجنبه.


وظل الإسرائيليون، على مدار نصف قرن، يعتقدون إلى حد كبير أن دروس تلك الحرب قد استوعبت. وعزز مسؤولون كبار في قطاع الدفاع هذه الثقة خلال خطابات ألقوها بمناسبة الذكرى الخمسين لحرب يوم الغفران، قبل 7 أكتوبر بفترة قصيرة، مؤكدين أن الممارسات المهنية وطرق التفكير، ولا سيما داخل الاستخبارات، تغيرت بصورة جوهرية.


ثم جاء 7 أكتوبر.


ولا تتطابق المقارنة بين الحالتين تماماً. ففي جوانب مهمة، كان إخفاق عام 2023 أشد وطأة. فقد أسفر الهجوم الذي قادته حماس عن مقتل أعداد كبيرة من الإسرائيليين، وعمليات اختطاف جماعي، وتوغل عميق داخل الأراضي الإسرائيلية، وتدمير بلدات، وعمليات إجلاء استمرت لفترات طويلة.


كما اختلفت طبيعة المفاجأة نفسها. ففي عشية حرب 1973، كان القادة الإسرائيليون يعقدون نقاشات عاجلة بشأن احتمال وقوع هجوم، وبحلول اليوم الأخير، أصبح احتمال اندلاع الحرب أكثر حضوراً في التقديرات.

أما في 7 أكتوبر، فقد شكل الهجوم نفسه مفاجأة استراتيجية، وليس توقيته فحسب. كذلك فاجأت إسرائيلَ طبيعة الهجوم وحجمه ومسرحه الرئيسي والدور المحوري الذي أدته حماس، وهي الحركة التي اعتبرها مسؤولون إسرائيليون على نطاق واسع عدواً ضعيفاً نسبياً يمكن ردعه.


ويقول البروفيسور أوري بار-يوسف، أحد أبرز الباحثين الإسرائيليين في إخفاق الاستخبارات خلال حرب يوم الغفران: «في عام 1973، كانت أصوات عدة داخل الاستخبارات العسكرية تحذر من الخطر، لكن رئيس الاستخبارات آنذاك إيلي زعيرا تجاهلها. أما في 7 أكتوبر، فلم يقتصر الخطأ على رئيس الاستخبارات العسكرية، بل شمل معظم قيادات المديرية. لقد كان هناك امتثال مفرط لرأي واحد في قمة المؤسسة العسكرية، ويبدو أن الأمر نفسه امتد إلى مستويات أدنى».


ولا تعد إسرائيل الدولة الوحيدة التي تعرضت لأكثر من هجوم مفاجئ، لكن السؤال يظل قائماً: كيف عادت أخطاء ونقاط ضعف مألوفة إلى الظهور بعد 50 عاماً من النقاشات المؤلمة؟


ويتمثل أحد التفسيرات المحتملة في أن جزءاً كبيراً من عملية استخلاص الدروس بعد عام 1973 تحول إلى طقس مؤسسي، بدلاً من أن يتحول إلى استيعاب حقيقي ومراجعة ذاتية وإصلاح.


ويقول بار-يوسف: «كان يفترض أن تخلق صدمة حرب يوم الغفران حاجزاً يحول دون تكرار إخفاق من هذا النوع. لكن بعد خمسة عقود، اتضح أن إرث الحرب ظل إلى حد كبير مجرد شعارات ومراسم، من دون دراسة عميقة لجذور الإخفاق».


وشكلت الحكومة الإسرائيلية في نوفمبر 1973 لجنة أغرانات، وهي لجنة تحقيق رسمية كلفت بفحص المعلومات الاستخباراتية المتاحة قبل الحرب، وكيفية تقييمها، ومدى استعداد الجيش الإسرائيلي.

 


من تجاهل ثقافة العدو إلى الثقة المفرطة في التكنولوجيا


ثمة احتمال آخر يتمثل في أن إسرائيل تعلمت الدروس الخطأ، أو سمحت لبعض الدروس الأساسية بالتلاشي.


ويتعلق أحد هذه الدروس بالمعرفة الوثيقة بثقافة العدو. فعلى مدار العقود الخمسة ويوم واحد الفاصل بين إخفاقي أكتوبر، تغيرت طبيعة الاستخبارات الإسرائيلية بصورة كبيرة.


وفقدت المهارات التي كانت تعتبر ضرورية لفهم «الآخر»، وفي مقدمتها إتقان لغة العدو وثقافته، مكانتها تدريجياً، وأصبحت تُعامل بصورة متزايدة باعتبارها أساليب قديمة. ومع تراجع هذه القدرات، ابتعد المحللون أكثر عن المجتمعات والحركات التي يفترض بهم فهمها.


وحلت محلها نقاشات نظرية أكثر تجريداً، ومحاولات لتحويل التقييم الاستخباراتي إلى ما يشبه العلم المنهجي القائم على نماذج تحليلية، إلى جانب التركيز بصورة أكبر على الاحتياجات العملياتية، وفي السنوات الأخيرة، تنامي الثقة في التكنولوجيا وقدرتها على معالجة كميات هائلة من المعلومات.


وظهرت المشكلة نفسها مجدداً هذا العام خلال فحص طريقة التعامل مع خطة «جدار أريحا»، وهي خطة هجوم حماس التي وصلت إلى الاستخبارات الإسرائيلية قبل 7 أكتوبر بوقت طويل.


وقال اللواء احتياط روني نوما، الذي عُين لفحص طريقة التعامل مع الوثيقة، في يونيو، إنه فوجئ باعتقاد أن الأنظمة التكنولوجية يمكن أن تحل محل الخبرة البشرية في اللغة.


وقال نوما: «أدهشني أن أكتشف أن أشخاصاً جادين للغاية كانوا يعتقدون في 7 أكتوبر أنه يمكن الاستغناء عن أفراد الاستخبارات الإشارية والاستعاضة عنهم بأداة تكنولوجية تُعرف باسم STT، أي تحويل الكلام إلى نص. بدلاً من وجود مستعرب يفهم اللغة والثقافة ويعرف كيف يفسر ما يسمعه، اعتقدوا أن آلة يمكن أن تؤدي هذا الدور».


وتعيد النتيجة إلى الأذهان ملاحظة وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر بأن الإنسان قد يعرف معلومات أكثر بكثير، لكنه يفهم أقل بكثير.

 


الانحباس داخل التصور السائد


بعد مرور ثلاثة أعوام على مجزرة 7 أكتوبر، راكمت إسرائيل عدداً كافياً من التحقيقات يسمح بوصف جانب كبير مما حدث من أخطاء.


وحدد الجيش الإسرائيلي، في مراجعته الشاملة للتحقيقات المتعلقة بـ7 أكتوبر، ستة أسباب رئيسية، هي الإخفاق التصوري في فهم غزة وحماس، والإخفاق الاستخباراتي، والفشل في التعامل مع خطة «جدار أريحا»، ووجود ثقافة تنظيمية وعملياتية معيبة، واستمرار الفجوة بين حجم التهديد والاستجابة الإسرائيلية له، إلى جانب خلل في اتخاذ القرارات خلال ليلة الهجوم. وخلص الجيش أيضاً إلى وجود معلومات تحذيرية مهمة، لكنها لم تخضع للتحليل المناسب.


ومع ذلك، لا تزال إسرائيل تفتقر إلى لجنة تحقيق رسمية مماثلة لتلك التي شكلتها عقب حرب يوم الغفران. وحتى سبتمبر 2026، رفضت الحكومة إنشاء مثل هذه اللجنة، وقالت للمحكمة العليا في يوليو إن إصدار أمر بتشكيلها ينبغي ألا يحدث قبل الانتخابات المقبلة. وبدلاً من ذلك، دفعت الحكومة نحو تشريع لإنشاء لجنة تحقيق بتشكيل مختلف، وهو نموذج تعارضه المعارضة البرلمانية.


ويرى ميلشتاين أن الأدلة التي تراكمت حتى الآن تشير إلى أن 7 أكتوبر لم يكن مجرد إخفاق استخباراتي، بل كان إخفاقاً وطنياً واسعاً شارك فيه قادة سياسيون ومسؤولون كبار في قطاع الدفاع وأجزاء من الأوساط الإعلامية والأكاديمية، إذ عمل الجميع داخل غرفة صدى ترسخ فيها التصور السائد بشأن حماس بمرور الوقت.


ولم يكن جوهر الإخفاق مرتبطاً بمشكلات تقنية، مثل معرفة من تلقى تحديثاً معيناً أو أي مسؤول كبير جرى إيقاظه خلال الليل. بل تمثل مصدره الأعمق في سوء فهم بالغ لطبيعة العدو.


كما أن الإخفاق لم يبدأ خلال الليل الفاصل بين 6 و7 أكتوبر، بل تطور على مدار سنوات، وتحول إلى قيد فكري قوي لدرجة أنه ربما أصبح، بحلول صباح «سمحات توراه»، شبه مستحيل الكسر.


ووصف الصحفي عاموس هاريل هذا الانغلاق في كتابه «06:29»، متحدثاً عن منظومة استخباراتية واصلت البحث عن معلومات إضافية خلال الليل، لكنها أخفقت في التوقف لتفسير ما كان بحوزتها بالفعل. فقد كانت المنظومة نشطة، وكان مسؤولون كبار مستيقظين، وكانت المشاورات جارية، لكن النتيجة كانت الشلل والعودة إلى الافتراضات المألوفة.


وفي كل من عامي 1973 و2023، أساءت إسرائيل قراءة نوايا العدو، لكن في اتجاهين متعاكسين.


فقبل حرب يوم الغفران، أخفقت الاستخبارات في فهم أن الرئيس المصري أنور السادات كان يخطط لعملية محدودة أكثر مما افترضته إسرائيل، هدفها الأساسي كسر الجمود الدبلوماسي.


وقبل 7 أكتوبر، افترضت التقديرات الإسرائيلية أن أي تحرك كبير قد تبادر إليه حماس سيظل على الأرجح محدوداً نسبياً. وما أخفقت إسرائيل في إدراكه هو أن الهجوم جرى التخطيط له على نطاق أوسع بكثير، وأنه استند إلى رؤية أيديولوجية بعيدة للغاية عن القيود العقلانية التي أسقطها المحللون الإسرائيليون على حماس.


وشهدت الحالتان أيضاً استخفافاً شديداً بالعدو، اقترب أحياناً من الاحتقار، بالتزامن مع ثقة عميقة بقدرة إسرائيل على اكتشاف أي هجوم والتصدي له.


وفي عام 1971، سخرت فرقة «هَجاشاش هَحيفر» الكوميدية الإسرائيلية من خطة مصر المفترضة لعبور قناة السويس، واعتبرتها خطة عبثية. وبعد نصف قرن، عندما أثير احتمال شن حماس هجوماً من غزة أمام رئيس الاستخبارات العسكرية، نُسب إليه قوله: «فليأتوا».


وقام التصور الذي سبق 7 أكتوبر على عدة طبقات مترابطة.


فعلى المستوى التصوري، ظهر الإخفاق في فهم منطق منظمة بدأت إسرائيل تعتقد بصورة متزايدة أنها أصبحت أكثر براجماتية بسبب مسؤولياتها في إدارة قطاع غزة. وترافق ذلك مع افتراض أن الحوافز الاقتصادية يمكن أن تدفع الأيديولوجيا إلى التراجع أمام المصالح المادية، وهو ما يعني في جوهره إسقاط المنطق الإسرائيلي على حماس.


وعلى المستوى العملياتي، ظهرت ثقة مفرطة في الحاجز الحدودي، واستخفاف بحجم أي هجوم محتمل. فقد افترض التخطيط الإسرائيلي تسللاً محدوداً نسبياً، وميل إلى الاعتقاد بأن أي مواجهة كبيرة، إذا وقعت، ستنتج عن سوء تقدير وليس عن قرار استراتيجي متعمد.


وعلى المستوى الثقافي والتنظيمي، ظهرت ظواهر التفكير الجماعي والثقة المفرطة والجمود الفكري وضعف النقد الذاتي.


أما على المستوى الاستراتيجي، فيرى التحليل أن السياسة الإسرائيلية لعبت دوراً محورياً من خلال محاولة فصل غزة سياسياً عن الضفة الغربية، والاعتقاد بأن التطبيع مع الدول العربية يمكن أن يتقدم من دون حل القضية الفلسطينية.


ويصف العميد احتياط يوسي كوبرفاسر، الرئيس الأسبق لقسم أبحاث الاستخبارات العسكرية، والذي يرأس حالياً معهد أبحاث الاستخبارات في مركز مئير عميت للمعلومات الاستخباراتية والإرهاب، 7 أكتوبر بأنه «عاصفة كاملة».


وقال كوبرفاسر، إن «إخفاق 7 أكتوبر كان نتيجة تلاقي عدة عوامل عميقة»، مشيراً إلى ضعف التنوع بين الأجهزة الاستخباراتية، وتجاهل تحذيرات الرتب الأدنى، وقمع الآراء المخالفة، وتراجع دور الإنذار، وأوجه القصور في جمع المعلومات عن غزة، إلى جانب تراجع الاعتماد على الاستخبارات البشرية والمصادر المفتوحة، وانخفاض عدد الباحثين المتخصصين في لغات وثقافات المناطق التي يدرسونها.

 


المشكلة ليست في المعارضة.. بل في الاستماع إليها


تطورت التحقيقات في إخفاقي عامي 1973 و2023 بطرق تكاد تكون متعاكسة.


فبعد حرب يوم الغفران، أنشأت إسرائيل لجنة تحقيق رسمية، لكن المؤسسة الاستخباراتية نفسها لم تفكك بصورة كاملة الجذور الأعمق لإخفاقها، ويرجع ذلك جزئياً إلى الاعتقاد بأن إعادة البناء ينبغي أن تتقدم على الانشغال بأخطاء الماضي.


وبعد مرور 50 عاماً، أجرت الاستخبارات العسكرية وجهاز الشاباك تحقيقات داخلية موسعة عقب 7 أكتوبر، بينما لم تُشكل لجنة تحقيق رسمية لفحص العلاقة الكاملة بين المؤسسة الأمنية والقيادة السياسية.


وخلصت مراجعة لاحقة أجراها الجيش الإسرائيلي لـ25 تحقيقاً داخلياً إلى وجود تفاوت كبير في جودتها. فقد كانت بعض التحقيقات شاملة، بينما اكتفى بعضها بوضع قاعدة للحقائق دون تحديد التغييرات الضرورية بصورة كافية، وظلت تحقيقات أخرى غير مكتملة، فيما اعتُبرت تحقيقات أخرى غير مرضية.


وغالباً ما تتفوق التحقيقات القائمة في شرح ما حدث وتحديد مواطن الخلل، لكنها أقل نجاحاً عندما تواجه السؤال الأصعب: لماذا حدث ذلك؟


ويعود جزء من المشكلة إلى طبيعة النظام نفسه. فالأشخاص المنتمون إلى المؤسسة يجرون التحقيقات الداخلية، ما يعني حتماً قربهم الشخصي والمهني من الأشخاص والمنظمات والعقائد التي تخضع للفحص.


كما يصعب أحياناً تحويل بعض الدروس إلى إجراءات عملية، مثل ضرورة الاعتراف بإمكانية الخطأ مجدداً، والإقرار بأن المؤسسة لا تعرف كل شيء، وتحسين قدرتها على تخيل السيناريوهات المختلفة.


وتكرر دروس أخرى أساليب كانت موجودة أصلاً قبل 7 أكتوبر، من بينها تحليل الفرضيات المتنافسة وفرق «الأحمر» التي تهدف إلى تحدي التقييمات السائدة. وفي نهاية المطاف، توصل فريق «أحمر» أنشئ قبل الهجوم بأشهر قليلة في القيادة الجنوبية إلى النتيجة نفسها التي توصلت إليها المنظومة السائدة، وهي أن حماس مردوعة.


كما تردد كثير من الاستنتاجات التي خرجت بها إسرائيل بعد 7 أكتوبر أصداء الدروس التي خلصت إليها بعد عام 1973، ومنها التواضع والشك والتعددية وتعزيز آليات الإنذار وزيادة التحدي المؤسسي.


ومع ذلك، يظل استنتاج يبدو بديهياً على الهامش نسبياً مرة أخرى، وهو أن محلل الاستخبارات لا يستطيع دراسة عدو بصورة صحيحة من دون معرفة عميقة بلغته وثقافته، باعتبارهما مفتاحاً لفهم المنطق الكامن وراء أفعاله.


ويستحق درس آخر من عام 1973 اهتماماً متجدداً، وهو ضرورة التعرف إلى القادة الذين يقمعون المعارضة أو يتحولون إلى الجمود الفكري.


وصاغ العقيد احتياط زوسيا «زيزي» كانيازير، الذي كان ضابط استخبارات القيادة الشمالية خلال حرب يوم الغفران، المشكلة بدقة عندما قال: «المسألة ليست ما إذا كان هناك ضابط قادر على طرح رأي مختلف، وإنما ما إذا كان الشخص الذي يقود النقاش مستعداً فعلاً للاستماع إلى آراء تخالف وجهة نظره».


ويطرح ذلك تحدياً تنظيمياً أكبر. فأنظمة الاستخبارات تحتاج إلى آليات لا تقتصر على إنتاج تقييمات بديلة، بل ترصد أيضاً أنماط السلوك لدى المحللين والقادة التي تجعل التحدي الحقيقي لوجهة النظر السائدة أمراً مستحيلاً.

 


النجاح بعد الإخفاق قد يتحول بدوره إلى خطر


تخلق النجاحات العسكرية الإسرائيلية الكبرى منذ 7 أكتوبر، بما في ذلك مظاهر التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي، مفارقة واضحة.


فقد تساعد هذه النجاحات على استعادة الردع والقدرة العملياتية، لكنها قد تحجب أيضاً الحاجة إلى فهم كيف أصبح وقوع الكارثة الأصلية ممكناً.


وقال المقدم احتياط ديفيد سيمانتوف، نائب رئيس معهد أبحاث منهجية الاستخبارات: «إن الانشغال المكثف بالعمليات العسكرية بعد 7 أكتوبر جعل من الصعب على أجهزة الاستخبارات أن تتوقف لإجراء مراجعة ذاتية عميقة. كما أن الإنجازات العسكرية اللافتة قد تكون مضرة، لأنها تخلق شعوراً بأن العيوب السابقة قد عولجت، بينما يتراجع الإحساس بالإخفاق ويصبح مرتبطاً فقط بمن كانوا في مواقعهم يوم 7 أكتوبر».


ويكتسب هذا التحذير طابعاً مقلقاً بصورة خاصة لأن إسرائيل سمعت تحذيراً مشابهاً قبل الهجوم مباشرة.

 


«قبضة الأحرار»


لم تكتفِ أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بفحص الإخفاق، بل أدخلت أيضاً إصلاحات.

فخلال الحرب، أنشأت الاستخبارات العسكرية وحدة متخصصة في تعليم الثقافة الإسلامية، بهدف توجيه عملية التدريب داخل المديرية. وعززت دورات الإنذار، كما جرى تقوية القسم المكلف بتحدي التقييمات السائدة، وهو القسم الذي أنشئ أصلاً بعد إخفاق عام 1973.


وأعيد بناء شبكة الاستخبارات البشرية التي تديرها الوحدة 504 في غزة، كما أعيد بناء وحدة متخصصة في استخبارات المصادر المفتوحة.


وكانت وحدة «حتساف» السابقة للاستخبارات من المصادر المفتوحة قد حُلّت في ديسمبر 2021. وربما جعل ذلك من الصعب رصد الإشارات التي كان قائد حماس يحيى السنوار يرسلها علناً.


ومن بين تلك الإشارات مسلسل «قبضة الأحرار» الذي أنتجته حماس وعُرض خلال رمضان عام 2022، والمناورات العسكرية التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، والتي عرضت بالتفصيل سيناريوهات شبيهة بالهجوم الذي وقع لاحقاً.


كما كرر قادة في حماس وعودهم علناً بأن «فيضاناً» قادماً سيجتاح إسرائيل، في حين سخروا علناً من الترتيبات الاقتصادية التي اعتقد صناع القرار الإسرائيليون أنها تساعد على استقرار غزة.


ونُقل عن أحد كبار القادة العسكريين في حماس، الذي أُسر خلال الحرب، قوله خلال استجواب إسرائيلي: «أنا مندهش جداً من الإسرائيليين. المشكلة لم تكن أنكم عجزتم عن فهم السنوار، بل أنكم لم تصغوا إليه. لقد قال علناً وبوضوح إنه ينوي شن حرب عالمية عليكم».

 


غرفة الصدى الأوسع


لا يمكن حصر عملية المراجعة في أجهزة الاستخبارات.


فبعد حرب يوم الغفران، مارس الصحفيون والأكاديميون الإسرائيليون نقداً ذاتياً مؤلماً بشأن مدى تكرارهم تقييمات السياسيين والجنرالات دون قدر كافٍ من الشك، الأمر الذي ساعد على ترسيخ التصور السائد.


وقال الصحفي دانيال بلوخ آنذاك: «قبلنا التقييمات الرسمية من دون مساءلة، لأننا لم نطور أدوات مستقلة للفحص والنقد والتفكير في الشأن الأمني، ولأننا افترضنا تلقائياً أن هناك من يعرف ما يفعله وأن شخصاً ما يمكننا الوثوق به ثقة عمياء».


وقدم الصحفي يجال ليف تقييماً قاسياً بالقدر نفسه، قائلاً: «تحولت الصحافة إلى أداة بالية في يد حكومة حاولت الاحتماء بما تنشره الصحف. سمحنا للقادة باستغلالنا، ونسينا أن أهم أدوارنا هو أن ننقل إلى أصحاب السلطة صوت الجمهور».


وعلى الرغم من تعهد «لن يتكرر ذلك أبداً» الذي أعقب عام 1973، ظهرت نقاط الضعف نفسها بعد خمسة عقود. ولم تُطرح علامات استفهام كافية.


ويرى ميلشتاين أن غياب لجنة تحقيق رسمية يمثل الإخفاق المؤسسي المركزي في عملية المراجعة التي أعقبت 7 أكتوبر. ومن دون فحص مستقل للمنظومة السياسية والعسكرية والاستخباراتية بأكملها، تخاطر إسرائيل بتكرار افتراضات قبل أن تدرك حتى أنها افتراضات.


وينطبق الأمر نفسه على السياسات التي اعتمدت خلال الحرب. فقد قدم مهندسو عدد من المبادرات تلك السياسات باعتبارها حلولاً، بينما يرى منتقدون فيها أمثلة إضافية على التفكير القائم على التمني، ومنها نموذج توزيع المساعدات الذي تتبناه مؤسسة غزة الإنسانية، ودعم جماعات مسلحة مناهضة لحماس داخل غزة، والمقترحات الرامية إلى تشجيع الهجرة الفلسطينية، ومؤخراً التوقعات بأن الضغط العسكري واستهداف القيادات والاضطرابات الداخلية يمكن أن تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني.


وتظل هذه الأحكام السياسية والاستراتيجية موضع خلاف. وليس المقصود أن كل مبادرة تنبع بالضرورة من الخطأ نفسه، بل إن غياب تحقيق مستقل شامل يحرم إسرائيل من آلية متفق عليها للتمييز بين التكيف وبين ظهور تصور جديد خاطئ.


كما ارتكبت الاستخبارات العسكرية أخطاء منذ 7 أكتوبر، بما في ذلك تقديراتها بشأن الرد الإيراني المحتمل على الضربة التي استهدفت مجمعه القنصلي في دمشق في أبريل 2024، وفشلها في توقع انهيار حكومة بشار الأسد.


وفي الوقت نفسه، أظهرت المنظومة الاستخباراتية قدرة على تصحيح مسارها. فعلى سبيل المثال، تشير تحليلات المصدر إلى أن الاستخبارات العسكرية قدمت تقييماً مخالفاً بشأن خطط تستهدف إسقاط النظام الإيراني، وهو ما يشير إلى أن بعض الدروس المتعلقة بالتحدي المؤسسي بدأت تجد طريقها إلى التطبيق.


وبعد مرور ثلاثة أعوام على 7 أكتوبر، غيرت إسرائيل سلوكها العسكري والاستراتيجي بصورة جذرية. فهي تستخدم القوة بصورة أكثر استمرارية عبر ساحات متعددة، وأظهرت استعداداً متزايداً للسيطرة على الأراضي والاحتفاظ بها.


لكن فهمها لأعدائها وللمنطقة لم يتقدم بالضرورة بالوتيرة نفسها.


وينطبق هذا القلق على المؤسسة الدفاعية والجمهور، وفوق كل ذلك على صناع السياسات.

 

https://www.ynetnews.com/magazine/article/bjc56psyml